19 ديسمبر 2025
أدت الثورة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تقييم الأسهم الأمريكية وتوفير التمويل لرواد الأعمال في مجال الذكاء الاصطناعي. وقريبًا قد يأتي دور الصين لتسير على تلك الخطى نفسها وذلك المسار.
تُضاعف الصين من جهودها في قطاع التكنولوجيا في الوقت الحالي؛ حيث يُتوقع أن تضع "الخطة الخمسية الخامسة عشرة" (2026-2030)، المزمع اعتمادها قريبًا، خارطة طريق طموحة لتطوير قطاعي أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، وهو ما يشير إلى وجود نية واضحة لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية وتسريع وتيرة الابتكار محليًا.[1]
لقد شهد العالم بالفعل نجاح جهود التوطين الصينية، لا سيما في قطاع تصنيع أشباه الموصلات ونماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث كشفت شركة ديب سيك (DeepSeek) الناشئة، ومقرها هانغتشو، عن نموذج للذكاء الاصطناعي يضاهي الإمكانات الرائدة التي توفرها النماذج الخاصة بشركتي أوبن أي آي (OpenAI) وميتا (Meta) - وبتكلفة أقل.[2] في الوقت ذاته، يتحدى كوين (Qwen)، وهو نموذج لغوي كبير مفتوح المصدر من شركة (علي بابا)، النماذج القائمة حاليًا كالنموذج اللغوي لاما (llama) التابع لشركة ميتا، ويعيد تشكيل أنماط تبني الشركات لهذه التقنيات.[3]
وبذات الطريقة التي أدى بها الإنتاج منخفض التكلفة إلى هيمنة العلامات التجارية الصينية على سوق الهواتف الذكية العالمي، فإن انخفاض أسعار رموز واجهة برمجة التطبيقات (API tokens) (التي يحتاجها مطورو البرمجيات للوصول إلى النماذج اللغوية الكبيرة) يدفع الشركات وحتى الشركات الناشئة الأمريكية منها لتطوير منتجات مبنية على أسس الذكاء الاصطناعي الصيني.[4]
يتمتع رواد الذكاء الاصطناعي في الصين بميزة تكلفة هيكلية مدعومة بسياسات حكومية قوية. وقد حذر "جينسن هوانغ"، الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا"، مؤخرًا من أن دعم الطاقة من قبل الحكومات المحلية في المقاطعات الصينية جعل الكهرباء مجانية فعليًا لمراكز البيانات الكبرى التي تديرها شركات "بايت دانس" و"علي بابا" و"تنسنت".[5]
تلك الحوافز، المقترنة بتوجيهات من بكين لتقليل الاعتماد على رقائق "إنفيديا"، أوجدت بيئة مواتية لرواد أشباه الموصلات المحليين مثل شركة كامبريكون (Cambricon)، التي سجلت مؤخرًا أرباحًا قياسية وسط تزايد الطلب على الرقائق المنتجة محليًا.[6]
مع ذلك، تفتقر شركات التكنولوجيا الصينية إلى تقييم الأسهم وفق نمط التقييم الذي تحظى به شركة "إنفيديا" ونظيراتها الأمريكية. إذ تتمتع شركات التكنولوجيا الأمريكية بسهولة الوصول إلى مليارات الدولارات من التمويل عبر أسواق الأسهم العامة والخاصة. ويمثل التقييم المرتفع للأسهم ميزة لأي شركة تسعى لجذب أفضل المواهب أو تنفيذ عمليات استحواذ.
تعتبر الأسهم كذلك ضمانًا قيّمًا؛ حيث يمكن لرواد أعمال الذكاء الاصطناعي اللجوء إلى التمويل المدعوم بالأسهم لتأمين مصادر بديلة للسيولة من أجل مشاريعهم التجارية، بينما يمكن للمساهمين في منصات التكنولوجيا القائمة استخدام حصصهم لجمع تمويل مرن بالكامل دون التضحية بزيادة رأس المال على المدى الطويل.
الذكاء الاصطناعي الصيني: مُصمَّم للعالم في ظل ظروف رأسمالية صعبة
بينما يمضي الذكاء الاصطناعي الصيني قدمًا ليثبت باستمرارٍ خطأ المشككين، فإنه قد يواجه طريقًا طويلًا نحو تحقيق الأرباح.[7] وبعض أسباب ذلك أن سوق الشركات أصغر ولا يُتاح له الوصول إلى الرقائق الأكثر تطورًا، هذا فضلاً عن أن رواد التكنولوجيا في الصين - الذين يعملون في قطاعات متعددة يواجهون منافسة سعرية شديدة[8] - ولا يملكون الملاءة المالية اللازمة لتقديم الإنفاق الضخم المطلوب لبناء مراكز البيانات اللازمة لتلبية الطلب المتزايد بشكل هائل على قوة الحوسبة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
كذلك، يعزف عملاء الشركات في الصين عن الدفع مقابل خدمات الذكاء الاصطناعي، وتسود ثقافة "الهندسة المقتصدة" التي تؤدي إلى اندلاع حروب أسعار من شأنها أن تضع التحديات أمام رواد الأعمال الذين يسعون إلى مسار مستدام للربحية.[9] وحتى لو تم تنزيل النماذج الصينية مفتوحة المصدر من قبل الملايين عالميًا، فإن بناء خدمات برمجيات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تعمل على نطاق واسع لا يزال يتطلب مستوى معينًا من البنية التحتية.[10]
تتوقف الكثير من النتائج على سعي شركة "هواوي" لبناء رقائق متطورة يمكنها منافسة الرقائق التي تنتجها شركة "إنفيديا"، والتي لم تحقق النجاح المطلوب حتى الآن عند استخدامها من قبل "ديب سيك" لتحسين نماذجه.[11]
ربما تشهد السنوات القادمة تغيرًا كبيرًا خاصةً في ظل وجود توقعات بتعزيز منظومة الابتكار في الصين؛ حيث ارتفع الاستثمار الوطني في البحث والتطوير بنسبة 48% منذ عام 2020، كما تمتلك البلاد أكبر قاعدة باحثين في العالم.[12] وربما يكون الأمر مسألة وقت فحسب حتى تتطور منظومة بنية تحتية للذكاء الاصطناعي متكاملة رأسيًا ومحلية الصنع.
بناءً عليه، قد يرى رواد الأعمال، الساعون لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي للشركات الصغيرة والمتوسطة عالميًا، في قطاع التكنولوجيا الصيني منظومة أكثر ثقة وتكاملًا وملاءمة، حيث ستخدم تلك التطبيقات معظم البشرية في نهاية المطاف.[13],[14]
وكما تبيَّن للولايات المتحدة هذا العام، فإن منظومة الموردين منخفضي التكلفة في الصين لا غنى عنها للتجارة العالمية، وهي منظومة قادرة على تحمل التعريفات الجمركية العقابية – جدير بالذكر أن صادرات الصين إلى بقية العالم زادت بمقدار الخُمْسَين منذ عام 2019، في حين لم تشهد الواردات أي تغيير يُذكر.[15],[16]
لذلك، يمكن لرواد الأعمال في مجال الذكاء الاصطناعي أو التنفيذيين في شركات التكنولوجيا الصينية تركيز اهتمامهم نحو تحقيق أهدافهم على المدى الطويل.
ستظهر الشركات الناشئة العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي قريبًا في الأسواق العامة في البلاد، وربما يحدث ذلك في وقت أبكر من نظيراتها في الغرب. يُشار إلى أن منصة جيبو (Zhipu)، وهي منصة قائمة على الاشتراك، شهدت تضاعف مبيعاتها هذا العام وتتطلع للاكتتاب العام الأولي في العام المقبل،[17] حيث من المُتوقع أن تلقى الإدراجات من هذا القبيل ترحيبًا واسع النطاق، مما قد يرفع أسهم الشركات الصينية بطريقة أشبه بما أحدثته أرباح شركات التكنولوجيا الأمريكية في السوق على نطاق أوسع.
إن زيادة الوصول إلى التمويل المرتبط بالأسهم في وقت ترتفع فيه التقييمات من شأنه أن يوفر دفعة تعزيز قوية لرواد الأعمال الديناميكيين في مجال الذكاء الاصطناعي بالبلاد ويمدد فترة السيولة المتاحة للشركات الناشئة.
كما أن تقييمات الأسهم القوية ستمنح رواد الأعمال الصينيين في مجال الذكاء الاصطناعي ثقة في رؤيتهم، وسيكون عليهم الاستفادة من تلك التقييمات كفرصة للحصول على أشكال متنوعة من الاعتمادات، بما في ذلك التمويل المدعوم بالأسهم، وذلك لبناء منظومة خلفية مفتوحة المصدر من الصين لعالم برمجيات الشركات العالمي.
في سياق التنافس مع العمالقة في الولايات المتحدة، قد يتشكل الفارق كليةً من مدى القدرة على الوصول إلى الائتمان الخاص وتمويل رأس المال الاستثماري وتقييمات الأسواق العامة المرتفعة.
[1] https://thediplomat.com/2025/11/semiconductors-chinas-industrial-policy-steamroller-in-motion
[2] https://www.bloomberg.com/explainers/global-chip-wars-semiconductors
[3] https://www.ft.com/content/931c8218-a9d7-4cbd-8b08-27516637ff41
[4] https://www.nbcnews.com/tech/innovation/silicon-valley-building-free-chinese-ai-rcna242430
[5] https://www.ft.com/content/53295276-ba8d-4ec2-b0de-081e73b3ba43
[6] https://www.ft.com/content/6f1d0cdb-adc6-4ac5-8ff1-19a0017bb963
[7] https://www.bloomberg.com/news/newsletters/2025-12-03/china-s-ai-future-looks-like-a-long-road-to-small-profit
[8] https://www.reuters.com/commentary/breakingviews/alibaba-ai-feast-may-get-food-wars-indigestion-2025-11-26
[9] https://www.ft.com/content/af1a6ce3-b0ab-41cc-9b52-3e0a11641f20
[10] https://www.bloomberg.com/opinion/articles/2025-11-17/ai-are-deepseek-moments-now-the-new-normal
[11] https://www.ft.com/content/eb984646-6320-4bfe-a78d-a1da2274b092
[12] https://www.scmp.com/news/china/science/article/3327566/china-charts-path-global-competitiveness-chips-and-ai-next-five-year-plan
[13] https://www.aljazeera.com/economy/2025/11/19/trust-in-ai-far-higher-in-china-than-west-poll-shows
[14] https://www.scmp.com/opinion/china-opinion/article/3334666/why-real-ai-race-within-china-and-not-across-pacific
[15] https://www.economist.com/leaders/2025/10/23/why-china-is-winning-the-trade-war
[16] https://www.reuters.com/markets/asia/rising-yuan-wont-slow-chinas-export-boom-2025-12-03
[17] https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-12-02/zhipu-grows-revenue-and-users-on-path-to-china-s-first-ai-ipo
