24 أكتوبر 2025
اقتصادات الخليج المزدهرة تطلق العنان لجيل جديد من العلامات التجارية الاستهلاكية. لكن تحويل هذه الشركات الناشئة الواعدة إلى شركات عالمية لا يتطلب مجرد الطموح، بل يستلزم نماذج تمويلية ترقى إلى مستوى هذه المهمة.
من المتوقع أن يتفوق نمو الإنفاق الأسري في دول مجلس التعاون الخليجي على نظرائه الدوليين خلال السنوات القادمة، مدعوماً بتركيبة سكانية شابة، وسوق عمل آخذ في التوسع، وجهود حكومية حثيثة للتحول بعيداً عن الاعتماد على قطاع النفط والغاز.[1]
ومع ذلك، لا يزال أداء المنطقة أدنى من إمكاناتها الحقيقية على الساحة العالمية.
يقتصر تصنيف (براند فاينانس غلوبال 500) على تسع علامات تجارية من الشرق الأوسط، بقيمة إجمالية متواضعة لا تتجاوز 127.4 مليار دولار أمريكي؛ وهو حضور ضئيل جداً مقارنةً بالصين التي تملك 69 علامة تجارية والولايات المتحدة التي تستحوذ على 193 علامة.[2],[3] المشجع في الأمر هو أن هذه العلامات التجارية التسع عززت قيمتها بنسبة 23% على أساس سنوي في عام 2025، وهو أكثر من ضعف معدل نمو العلامات التجارية غير الشرق أوسطية الذي بلغ 11%.[4]
الإمكانات قائمة بلا ريب، والسؤال المحوري هو مدى قدرة رواد الأعمال الخليجيين على تأمين التمويل اللازم الذي يتناسب مع هذا الحجم من الإمكانات.
في الأسواق المتقدمة، يستفيد رواد الأعمال في القطاع الاستهلاكي بالفعل من مجموعة واسعة من أدوات الائتمان الخاص، بدءاً من القروض المدعومة بالأسهم وصولاً إلى المقرضين المتخصصين الذين يدركون احتياجات العلامات التجارية سريعة النمو.
تتيح هذه الخيارات للمؤسسين إعادة الاستثمار في التوسع والتسويق والمخزون دون الاضطرار لبيع حصصهم في الملكية مبكراً. في المقابل، لا يزال رواد الأعمال في الخليج يعتمدون بشكل طاغٍ على البنوك — التي تفرض في بعض الأحيان معدلات فائدة بعشرات النقاط المئوية على القروض الممنوحة للشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة.
بينما أتاح خفض سعر الفائدة الأخير من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بعض المتنفس للأعمال التجارية عالمياً، إلا أن تأثيره في دول مجلس التعاون الخليجي سيكون محدوداً. فنظراً لربط عملات دول الخليج بالدولار، تجد البنوك المركزية الخليجية مساحة ضيقة لرسم مسارها النقدي الخاص، رغم توقعات التضخم المنخفضة.[5] من المتوقع أن يبقي التضخم العنيد في الولايات المتحدة على تكاليف الاقتراض أعلى مما تبرره الظروف الإقليمية؛ إذ يُتوقع أن يقترب التضخم السنوي في منطقة الخليج من 2 % هذا العام، مقارنة بـ %3 تقريباً في الولايات المتحدة الشهر الماضي.[6],[7]
يواجه العديد من المؤسسين معضلة حادة: فإما عليهم أن يكتفوا بمسار النمو المحدود، أو أن يقبلوا بائتمان مكلف.
من الأمور المسلم بها أن رأس المال الجريء آخذ في التوسع، كما أظهرت الاكتتابات العامة الأولية الناجحة في الرياض ودبي أن المستثمرين باتوا أكثر انفتاحاً على الأسماء الاستهلاكية، مثل 'طلبات'.[8] ومع ذلك، لن يكون بإمكان شركات رأس المال الجريء وحدها تلبية فجوة التمويل الهائلة للشركات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة، التي تُقدَّر بنحو 250 مليار دولار أمريكي.[9]
يمثل الائتمان الخاص أحد الحلول الفعالة. ويشير تقرير حديث صادر عن )برايس ووترهاوس كوبرز (PwC- إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي ومصر باتت من بين أسرع الأسواق نمواً عالمياً في الإقراض غير المصرفي، مدفوعةً إلى حد كبير بالشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة التي لم تتمكن من الحصول على التمويل التقليدي.[10]
أما بالنسبة للمؤسسين الخليجيين، فيمكن لهذا التوجه أن يحمل في طياته نقلة نوعية كبرى.
عامٌ لن يُنسى في مسيرة العلامات التجارية الخليجية
لم يعد التحول من الاعتماد على الهيدروكربونات إلى النمو غير النفطي مجرد كلام منمق. ففي عام 2024، شكّلت الأنشطة غير النفطية %77.9 من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي، مع تحليق معدلات النمو حول %4 في جميع الدول الأعضاء.[11],[12] من المتوقع أن تقفز صادرات السلع والخدمات غير النفطية، التي بلغت قيمتها حوالي 202 مليار دولار أمريكي في عام 2022، لتتجه نحو تحقيق تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030 مع استمرار الإصلاحات والتنويع الاقتصادي.[13]
لقد بدأ هذا التحول الاقتصادي الهائل يترك بصمته على الساحة العالمية.
شهدت 'شوكولاتة دبي' — بألواحها الفنية المحشوة بالفستق — شهرة عالمية في وقت سابق من هذا العام، حيث عززت علامات تجارية مثل 'النسمة'، المعروفة بشوكولاتة حليب الإبل، مكانتها كمُروِّج للنكهات المحلية الفريدة.[14] في قطاع التجميل الخليجي (الذي تُقدَّر قيمته بنحو 60 مليار دولار أمريكي في عام 2025[15])، استطاعت هدى قطان، المقيمة في دبي، أن تبني علامة 'هدى بيوتي 'لتصبح ظاهرة عالمية؛ وقد صُنفت كأكثر علامة تجميل شعبية في العالم وفق مؤشر 'كوزميتيفاي' للربع الأول من عام 2025.[16] في غضون ذلك، توسعت علامة 'بتيل'(Bateel) من مجرد تمر فاخر لتتحول إلى إمبراطورية للهدايا الفاخرة، مع أكثر من 170 منفذاً في 26 دولة ومتجر رئيسي في سنغافورة.[17]
تُثبت هذه القصص أن رواد الأعمال الخليجيين يمتلكون الرؤية والمكانة الثقافية والأسواق المحلية اللازمة للمنافسة دولياً. إن ما ينقصهم هو التمويل الكفيل بدعم هذه المسيرة.
من الجدير بالذكر أن هاورد شولتز، مؤسس ستاربكس الشهير، قد واجه رفض البنوك في منتصف الثمانينات، ليقوم بعد ذلك بجمع 400 ألف دولار أمريكي من مستثمرين مبكرين في الولايات المتحدة لإطلاق مفهوم مقهى اندمج لاحقاً مع ستاربكس.[18] لقد أثبت هذا التمويل أنه نقطة التحول المصيرية التي ساعدت 'ستاربكس' على النمو من بضعة متاجر إلى عملاق عالمي.
عبر مختلف الصناعات، لطالما كان التمويل غير التقليدي — بدءاً من القروض العائلية وصولاً إلى الائتمان المدعوم بالأسهم — هو الفارق الحاسم بين البقاء صغيراً والانطلاق نحو العالمية.
إحدى الميزات غير المستغلة لمنطقة الخليج هي الثروة الموظفة حالياً في الأسهم. ففي المملكة العربية السعودية وحدها، بلغ عدد قاعدة المستثمرين الأفراد الآن 6.9 مليون شخص.[19]
لو تم تسييل ولو جزء ضئيل من هذه المحافظ الضخمة للأسر والعائلات من خلال التمويل المدعوم بالأسهم، لأمكن للمؤسسين إطلاق السيولة دون تخفيف حصص الملكية على المدى الطويل، وبالتالي إعادة تدوير الثروات الشخصية في خدمة النمو الريادي.
الرسالة واضحة وبسيطة: يمكن للاقتصاد الريادي في الخليج أن يستفيد استفادة قصوى من الوصول إلى مصادر تمويل بديلة ومجموعة أكثر تنوعاً من المقرضين.
مع نمو سوق الائتمان البديل واستخدام رواد الأعمال لهذه الأدوات، لا يوجد ما يمنع علامات الغد الاستهلاكية، سواء كانت من الرياض أو دبي، من المنافسة بقوة في أسواق مثل لندن ونيويورك.
[1] https://www.oxfordeconomics.com/resource/why-gcc-consumers-are-set-to-continue-to-outperform
[2] https://brandfinance.com/press-releases/middle-eastern-brands-outpace-global-brand-value-growth-rate
[3] https://static.brandirectory.com/reports/brand-finance-global-500-2025-preview.pdf
[4] https://www.arabnews.com/node/2587245/media
[5] https://gulfbusiness.com/us-fed-rate-cut-gcc-central-banks-impact-economy-finances
[6] https://tradingeconomics.com/united-states/inflation-cpi
[7] https://economymiddleeast.com/news/gcc-economic-growth-rise-4-percent-2025-despite-trade-headwinds-icaew
[8] https://www.pwc.com/m1/en/media-centre/2025/11-gcc-ipos-raise-us-16bn-driven-by-strong-momentum-in-saudi-arabia.html
[9] https://www.middle-east.kearney.com/industry/financial-services/article/small-but-mighty-why-banks-need-to-rethink-how-they-serve-smes
[10] https://www.pwc.com/m1/en/publications/2025/docs/pwc-difc-private-credit-report-seizing-the-moment.pdf
[11] https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2024/12/01/non-oil-sectors-drive-robust-growth-in-gcc-countries
[12] https://www.zawya.com/en/economy/gcc/gcc-stat-gcc-countries-record-5878bln-in-nominal-gdp-by-end-of-q4-2024-jpgxcn85
[13] https://www.strategyand.pwc.com/m1/en/strategic-foresight/sector-strategies/public-sector-management/export-non-oil-goods.html
[14] https://www.nytimes.com/2025/01/23/dining/dubai-chocolate-cant-get-knafeh-it.html
[15] https://www.voguebusiness.com/beauty/beauty-has-a-new-definition-in-the-gulf
[16] https://www.arabnews.com/node/2602599/lifestyle
[17] https://en.incarabia.com/bateel%E2%80%99s-nurta%C3%A7-afridi-on-global-growth-and-gourmet-dates-741474.html
[18] https://www.telegraph.co.uk/finance/newsbysector/retailandconsumer/8505866/Forty-years-young-A-history-of-Starbucks.html
[19] https://www.argaam.com/en/article/articledetail/id/1838389
