24 مارس 2026
تتنامى أهمية الدور الأسترالي في التنافس الدولي على ضمان إمدادات المعادن الاستراتيجية، تزامناً مع مساعي الدول الغربية لتعزيز استقلالية سلاسل التوريد الخاصة بها.[1]
تعمل الإدارة الأمريكية على الدفع بخطط لتطوير سلسلة توريد جديدة كلياً للعناصر الأرضية النادرة .وفي يناير الماضي، أطلق البيت الأبيض «مشروع فولت« (Project Vault)، وهو احتياطي مدعوم من الولايات المتحدة لإنشاء مخزون استراتيجي محتمل من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الأخرى الضرورية للأمن، بقيمة تصل إلى 12 مليار دولار أمريكي.[2] يأتي ذلك في أعقاب استحواذ الحكومة الأمريكية على حصص في شركات «إم بي ماتيريالز« (MP Materials)، و«تريلوجي ماتيريالز« (Trilogy Materials)، و«ليثيوم أميريكاس(Lithium Americas) «، بالإضافة إلى استحواذ صندوق مدعوم من الولايات المتحدة على 40% من مناجم الكوبالت التابعة لشركة «غلينكور» في جمهورية الكونغو الديمقراطية.[3]
تسعى الولايات المتحدة أيضاً إلى صياغة تحالف مع شركاء مشاطرين لها في الرؤى لوضع «حد أدنى للأسعار»، وبما يضمن عدم قيام منتجي الأتربة النادرة الصينيين بخفض أسعار السوق إلى مستويات تقوض مبادرات الصناعة الناشئة.[4]
ومما يثير الانتباه أن هذه الخطط يبدو أنها وُضعت موضع التنفيذ بعد أشهر قليلة فقط من اتفاق الولايات المتحدة وأستراليا على استثمار مليار دولار أمريكي في مشاريع التعدين والمعالجة، وتأسيس حد أدنى لسعر المعادن الحيوية، مما يؤكد على أهمية أستراليا في تطوير سلسلة توريد مستقلة عن الصين.[5]
تمتلك أستراليا واحدة من أكبر احتياطيات العناصر الأرضية النادرة في العالم (حوالي 5.7 مليون طن من مكافئ أكاسيد العناصر الأرضية النادرة)، وهي بالفعل ثاني أكبر منتج عالمي لهذه العناصر بعد الصين.[6] كما كانت أستراليا أول دولة تعلن عن نيتها تطوير احتياطي للمعادن الحيوية بقيمة 1.2 مليار دولار أسترالي، مع التركيز على الأنتيمون، والغاليوم، وعناصر الأتربة النادرة.[7]
مع تعمق الطلب العالمي على المعادن الحيوية، فإن سلسلة توريد هذه المعادن في أستراليا في وضع جيد للاستفادة من هذا التطور. ويمكن للتمويل المدعوم بالأسهم أن يتيح للمساهمين على المدى الطويل إطلاق السيولة واتخاذ مواقف استثمارية بناءً على ما تتمتع به أستراليا من مزيج يجمع بين ضخامة الموارد، والاستقرار السياسي، والقدرات المتنامية في مراحل المعالجة الوسيطة، في ظل تطور اقتصاديات سلاسل التوريد.
شركات التعدين الأسترالية تحت المجهر
تستحوذ الشركات الصينية حالياً على أكثر من 90% من عمليات تكرير الأتربة النادرة، ويتوقع المحللون استمرار هذه الهيمنة في السنوات القادمة. ومع ذلك، فقد أدت الاضطرابات الجيوسياسية إلى حالة كبيرة من عدم اليقين في هذا القطاع، وساهمت في ارتفاع تقلبات أسعار السلع الأساسية وتقييمات الأسهم. يذكر أن الهدنة التجارية التي أُبرمت بين واشنطن وبكين في كوريا العام الماضي - والتي تم بموجبها رفع القيود الصينية على التصدير - ستنتهي بعد عام واحد من تاريخ توقيعها.[8]
ومع ذلك، فإن التوافق الجديد بين الولايات المتحدة وأستراليا بشأن ضرورة تعزيز أمن سلاسل التوريد يمثل مبادرة استراتيجية طويلة الأمد ومستدامة. ومن شأن هذه المبادرة أن ترتقي بشركات التعدين المدرجة في البورصة الأسترالية (ASX) لتصبح شريكاً مفضلاً لتوريد العناصر الأرضية النادرة، والليثيوم، وغيرها من المواد ذات الاستخدام المزدوج الضرورية لصناعات التكنولوجيا، والدفاع، والتحول في قطاع الطاقة.[9] من المتوقع أن تقفز عائدات أستراليا من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية الأخرى (باستثناء الليثيوم والنيكل) من 3.8 مليار دولار أسترالي في عام 2024–2025 إلى 5.9 مليار دولار أسترالي بحلول عام 2026–2027.[10]
تضع هذه الإمكانات شركات التعدين الأسترالية في بؤرة اهتمام المستثمرين والشركاء التجاريين حول العالم.
تقدم جهود اليابان الرامية إلى تقليل اعتمادها على منتجي العناصر الأرضية النادرة في الصين نموذجاً قيّماً. فمنذ الحظر غير الرسمي الذي فرضته الصين على صادرات الأتربة النادرة في عام 2010، أثناء نزاع حدودي، نجحت اليابان في خفض اعتمادها على الإمدادات الصينية من قرابة 90% إلى 60%، معززةً في الوقت ذاته اعتمادها على الخبرات التعدينية الأسترالية.[11]
عقب أيام من رفع الصين للحظر الذي فرضته على تصدير الأتربة النادرة عام 2010، رتبت وكالة استثمار يابانية اتفاقية بقيمة 250 مليون دولار أمريكي بين شركة تجارة السلع «سوجيتس (Sojitz) «وشركة «ليناس»(Lynas Rare Earths) الأسترالية، مما أدى إلى تأمين الإمدادات لليابان وتحقيق الاستقرار المالي لشركة «ليناس» في آن واحد.[12]
تُعد شركة «ليناس» الآن أكبر منتج للعناصر الأرضية النادرة خارج الصين، حيث تساهم بنسبة 12% من إجمالي أكاسيد العناصر الأرضية النادرة عالمياً، وتورد ثلث احتياجات اليابان — بما في ذلك معظم احتياجاتها من العناصر الأرضية النادرة الخفيفة. وفي ظل استمرار الاعتماد الكبير على الصين في العناصر الثقيلة، عمدت طوكيو في الأعوام الأخيرة إلى توسيع نطاق شراكاتها مع «ليناس» لضمان تأمين احتياجاتها الاستراتيجية.[13]
ومع أن أستراليا لطالما كانت مورداً عالمياً للمعادن، إلا أنها تحتاج الآن إلى أن تنجح المزيد من شركات التعدين لديها في تحقيق القفزة الصعبة نحو المعالجة اللاحقة (downstream processing)، أي تكرير المواد الخام وتحويلها إلى مواد كيميائية ومعادن عالية النقاوة. والمؤشرات إيجابية؛ فبعض منتجي الزركون، على سبيل المثال، تعلموا كيفية استخلاص منتجات ثانوية مثل الديسبروسيوم والتيربيوم، وهي من بين أكثر العناصر الأرضية النادرة طلباً.[14]
تستمر الشركات الأسترالية في مواجهة صعوبات جوهرية في منافسة الشركات الصينية على مستوى التكلفة. لكن، وفي ظل مساعي الحكومات المتزايدة لخفض المخاطر وضمان استمرارية الإمدادات من السلع الاستراتيجية المستقبلية، تبدو النظرة المستقبلية لهذا القطاع على المدى الطويل واعدة. قد تؤدي اتفاقيات الشراء طويلة الأجل، وتحديد أرضيات سعرية سيادية، والاحتياطيات الاستراتيجية إلى خلق سوق ذات شقين تدريجياً: سوق تجارية تنافسية وأخرى استراتيجية محمية.[15]
تنامي الطلب العالمي
غالباً ما يُعزى الطلب على العناصر الأرضية النادرة إلى نمو قطاع المركبات الكهربائية، إلا أن لها تطبيقات أخرى عديدة. فعلى سبيل المثال، تُعد مغناطيسات «النيوديميوم والبراسيوديميوم» ضرورية لتوربينات الرياح، والروبوتات، والطائرات المسيّرة (الدرونز)، ومنظومات الدفاع المتطورة. وبما أن دورات المشتريات الدفاعية أقل تأثراً بتقلبات الأسعار مقارنة بقطاع الإلكترونيات الاستهلاكية، فقد توفر استقراراً طويل الأمد لنمو هذا القطاع، وتساهم في إضفاء «علاوة جيوسياسية» للشركات التي تساهم في قطاع المعادن الحيوية الأسترالي.
بإمكان المستثمرين ذوي الأفق طويل الأمد الاستفادة من أدوات التمويل المرتبطة بالأسهم؛ فهي تتيح لهم الحصول على تمويل مرن بالكامل لاستثماراتهم في هذا القطاع، وتُعد وسيلة فعالة لتحجيم مخاطر التراجع في ظل سوق شديدة التذبذب.
في ظل صعود دور أستراليا كلاعب رئيسي في تحويل مسارات سلاسل توريد الأتربة النادرة عالمياً، تبرز الشركات في هذا القطاع الاستراتيجي كعناصر مؤثرة في صياغة ملامح سوق المعادن العالمية الجديدة.
[1] https://www.csis.org/analysis/unpacking-us-australia-critical-minerals-framework-agreement
[2] https://www.reuters.com/business/autos-transportation/trump-announces-creation-critical-mineral-reserve-2026-02-02/
[3] https://asia.nikkei.com/business/technology/tech-asia/us-faces-decadelong-road-to-loosening-china-s-grip-on-rare-earths
[4] https://www.scmp.com/news/us/diplomacy/article/3342433/washington-pitches-critical-minerals-plan-allies-counter-beijings-dominance
[5] https://www.nytimes.com/2025/10/20/us/politics/china-critical-minerals-trump-australia.html
[6] https://pubs.usgs.gov/periodicals/mcs2025/mcs2025-rare-earths.pdf
[7] https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-01-12/australia-announces-critical-minerals-for-its-strategic-reserve
[8] https://www.reuters.com/world/china/rare-earth-miners-fall-after-us-china-truce-pause-tariffs-export-curbs-2025-10-27/
[9] https://www.industry.gov.au/publications/united-states-australia-framework-securing-supply-mining-and-processing-critical-minerals-and-rare-earths
[10] https://www.industry.gov.au/publications/resources-and-energy-quarterly-december-2025
[11] https://asia.nikkei.com/business/technology/tech-asia/inside-japan-s-long-battle-to-de-chinafy-its-rare-earth-supply-chain
[12] https://www.newsecuritybeat.org/2024/08/how-to-diversify-mineral-supply-chains-a-japanese-agency-has-lessons-for-all/
[13] https://asia.nikkei.com/business/materials/japan-s-sojitz-to-expand-australian-rare-earth-imports
[14] https://www.bbc.com/news/articles/cgm2z91mvlvo
[15] https://www.reuters.com/markets/commodities/west-needs-its-own-pricing-escape-chinas-rare-earths-grip-2026-02-20/
