23 يونيو 2026
تواجه الشركات الناشئة والصغيرة في قطاع علوم الحياة الرائد عالمياً في المملكة المتحدة عجزاً في رأس المال اللازم لتحويل الابتكارات العلمية إلى نمو اقتصادي استثماري.
في عام 2025، علّقت شركات الرعاية الصحية متعددة الجنسيات -أو ما يُعرف بشركات الأدوية الكبرى- استثماراتٍ مقررة في المملكة المتحدة بقيمة تناهز ملياري جنيه إسترليني.[1] وفي قطاع التكنولوجيا الحيوية، تراجعت جولات التمويل التي تقودها شركات الملكية الخاصة بنسبة 49% لتقتصر على 1.9 مليار جنيه إسترليني فقط، في حين انخفضت صفقات رأس المال الاستثماري بنسبة 13%. وللعام الثالث على التوالي، غابت الطروحات العامة الأولية لشركات التكنولوجيا الحيوية تماماً في المملكة المتحدة.[2]
باستبعاد جولتين تمويليتين ضخمتين استثنائيتين، فإن الحصيلة الإجمالية لمساهمات صناديق الملكية الخاصة ستظهر تراجعاً أشد عمقاً، مع غياب شبه تام لتمويل الشركات متوسطة الحجم الساعية للتوسع. كما أن المؤسسات الاستثمارية المحلية -ولا سيما صناديق التقاعد- قد دأبت تاريخياً على تقليل وزن استثماراتها في قطاع علوم الحياة في المملكة المتحدة.[3]
واجه العديد من رواد الأعمال الطموحين في قطاع علوم الحياة والباحثين الطبيين العاملين في شركات الرعاية الصحية الصغيرة والمتوسطة تحديات جمة في تأمين التمويل الكافي لأعمالهم وبحوثهم خلال العام الماضي.
يمثل هذا الوضع تحدياً حرجاً للقطاع؛ فمن أجل إنتاج عقار تجاري يجتاز جولات اختبار متعددة ويتخطى العقبات التنظيمية والرقابية، غالباً ما تعتمد هذه الشركات الأصغر حجماً على الطلب من شركات الأدوية الكبرى، أو على تمويل رأس المال الاستثماري المخاطر وصناديق الملكية الخاصة.
وتزداد هذه التحديات تعقيداً مع صعود نجم المختبرات الصينية التي باتت تحتل الصدارة كحاضنات اختبارية لعمالقة الصناعة العالمية، إلى جانب دورها المتعاظم كمحرك رئيسي في مضمار اكتشاف العقاقير الطبية الجديدة.[4]
بيد أنه باتباع النهج السديد والآليات الصائبة، يغدو بمقدور هذا القطاع التغلب على هذه التحديات وتجاوزها.
بدايةً، يصب في مصلحة هذا القطاع إدراك حكومة المملكة المتحدة لكون الرعاية الصحية ركيزة استراتيجية محورية. ولا تزال المملكة المتحدة مركز ثقل جاذب للكفاءات الطبية، إذ تبوأت المرتبة الثانية عالمياً في حجم المخرجات والبحوث العلمية، فضلاً عما تزخر به من منظومة تجارية استثمارية متكاملة لشركات التقنية الحيوية والمشاريع المستقلة الناشئة، تفوق كافة الأسواق العالمية ولا يسبقها فيها سوى الولايات المتحدة والصين.[5],[6],[7]
تساهم صناعة الأدوية بمبلغ 19 مليار جنيه إسترليني سنوياً في الاقتصاد البريطاني، وقد صنفت الحكومة قطاع علوم الحياة كأحد القطاعات الثمانية الرئيسية المحركة للنمو في استراتيجيتها الصناعية.[8]
يمكن للعديد من التنفيذيين الحاملين للأسهم في شركات الأدوية البريطانية الصغيرة والمتوسطة النظر في التمويل بالأسهم كسبيل للوصول إلى السيولة النقدية. وفي وقت تشهد فيه الاستثمارات القطاعية شحاً ملحوظاً، قد تشكل أدوات رأس المال البديلة علامة فارقة وميزة تنافسية في سباق طرح الأدوية الجديدة في الأسواق.
عالقون في المنتصف
لماذا تراجع عمالقة صناعة الدواء عن استثماراتهم خلال العام الماضي؟ يعزو العديد من المحللين ذلك إلى آلية التسعير الطوعية المعمول بها في المملكة المتحدة، والتي كانت تلزم معظم الشركات (باستثناء الصغرى منها) برد ما نسبته 22.9% من مبيعات الأدوية المؤهلة لصالح هيئة الخدمات الصحية الوطنية — (NHS) وذلك مقارنة بنسب ضئيلة لا تتعدى 5.7% في فرنسا و7% في ألمانيا للآليات المماثلة.
أوضح التنفيذيون في هذه الشركات أن هذا الإجراء يعاقب الاستثمار في الأدوية المبتكرة ويوجه ضربة لهوامش أرباحهم.[9] وفي هذا السياق، أفاد مسؤول تنفيذي بارز في قطاع صناعة الأدوية بأن آليات الاسترداد المالي هذه قد تكلف القطاع خسائر في الإيرادات تصل إلى 13.5 مليار جنيه إسترليني على مدى ثلاث سنوات.[10]
إن معدل الاسترداد المالي، والذي يُعد عملياً نتاجاً للقيمة التي تراها الحكومة مقبولة لإنفاق المكلفين بالضرائب على الأدوية، قد جرى خفضه لاحقاً إلى 14.5% إثر ضغوط مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحكومة البريطانية، ومع ذلك، فإنه لا يزال أعلى من المعدلات السائدة في ألمانيا وفرنسا وأيرلندا.[11]
يمثل الوصول إلى بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) تحدياً آخر يواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع علوم الحياة. فبالرغم من أن المملكة المتحدة تمتلك سجلات صحية شاملة لدى الهيئة تغطي 69 مليون شخص، إلا أنه ليس من السهل على معظم الشركات الوصول إلى هذه البيانات -إذ إن أقل من 5% من التجارب السريرية في المملكة المتحدة تستفيد من مجموعات البيانات المجمعة بانتظام- فضلاً عن أنها غير محدثة أو مهيكلة لأغراض تحليل البيانات.[12]
وتسفر آليات استقطاب المشاركين المعمول بها حالياً في كثير من الأحيان عن معدلات مرتفعة من عدم اجتياز مرحلة الفرز الأولي، إذ يُدعى المرضى للمشاركة ثم يُتبيَّن عدم أهليتهم استناداً إلى معلومات متوافرة مسبقاً في سجلاتهم الطبية.[13]
وقد أسفر خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في يناير 2020 عن زيادة تعقيد المشهد؛ إذ بات إجراء التجارب السريرية في كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يتطلب الامتثال لمجموعتين منفصلتين من اللوائح التنظيمية، وهو عبء يضر بالشركات الأصغر حجماً التي تفتقر إلى فرق قانونية ضخمة.[14]
يعني كل ما سبق أن شركات الأدوية الكبرى – وهي الشركات القادرة على استيعاب تآكل هوامش الأرباح الناجم عن تحمل تكاليف تعقيد البيانات وخدمات إدارة التجارب السريرية – هي الأكثر قدرة على تحقيق الأرباح.
ومع ذلك، ثمة ما يدعو إلى التفاؤل؛ إذ إن الاتفاقية التجارية المبرمة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة في ديسمبر 2025 — وهي الأولى من نوعها التي تضمن عدم فرض أي رسوم جمركية على المنتجات الدوائية — قد بدأت بالفعل في الحد من هروب رؤوس الأموال وعكس مساره.[15],[16] وقد شهدت أنشطة عمليات الاندماج والاستحواذ انتعاشاً قوياً خلال الربع الأول من العام الجاري، في ظل استمرار حرص الشركات الكبرى على الاستثمار في قطاع علوم الحياة البريطاني.[17] كما سجلت أسعار أسهم كبرى شركات الأدوية البريطانية مستويات قياسية غير مسبوقة في شهر أبريل الماضي، متفوقة بذلك على نظيراتها العالمية.[18]
وفي الوقت نفسه، أسهمت اللوائح التنظيمية الجديدة الرامية إلى تبسيط إجراءات تقديم التقارير وتسريع المدة الزمنية التي تستغرقها الشركات لإجراء التجارب السريرية في تحسين الوضع؛ حيث انخفض متوسط الوقت اللازم لتجهيز التجارب التجارية وإطلاقها إلى 122 يوماً.[19]
ومع ذلك، يتعين على مؤسسي شركات علوم الحياة في المملكة المتحدة ومديريها التنفيذيين ومساهميها الأوائل — وهي شركات تمتلك حلولاً علمية مثبتة ولكنها تواجه قيوداً في الوصول إلى رؤوس أموال النمو — ألا يعتمدوا بالكامل على مصادر التدفق النقدي التقليدية. يمكن لهذه الشركات النظر في التمويل المرتبط بحقوق الملكية كوسيلة لسد فجوات السيولة عند حدوثها، لا سيما في ظل تزايد التكاليف المرتبطة بتطوير الأدوية في مجالات مثل التجارب السريرية، والامتثال، وتسويق الأدوية.
من خلال توفير السيولة النقدية بضمان حصص الملكية الحالية، يستطيع رواد الأعمال مواصلة تمويل عمليات التطوير، والاحتفاظ بملكيتهم، وبناء موقف استراتيجي قوي، مما يساهم في ضمان استمرار قطاع الأدوية في المملكة المتحدة في المنافسة وتقديم قيمة مضافة للاقتصاد البريطاني.
[1] https://www.abpi.org.uk/publications/a-year-of-uncertainty-uk-life-sciences-investment-and-medicine-launches-in-2025/
[2] https://www.fiercebiotech.com/biotech/things-are-looking-are-british-biotechs-considering-ipos-after-years-long-drought
[3] https://www.businessandindustry.co.uk/industrial-strategy/uk-life-sciences-being-held-back-by-lack-of-institutional-investment/
[4] https://www.ft.com/content/18ec669c-f832-4756-bc37-8cb33cb8899a
[5] https://www.timeshighereducation.com/world-university-rankings/2026/subject-ranking/life-sciences
[6] https://www.abpi.org.uk/publications/creating-the-conditions-for-investment-and-growth/
[7] https://www.nature.com/nature-index/country-outputs/generate/health-sciences/global
[8] https://www.icaew.com/library/industry-profiles/pharmaceutical
[9] https://pharmasource.global/content/expert-insight/merck-abandons-1bn-london-research-centre-dealing-fresh-blow-to-post-brexit-britains-life-sciences-ambitions/
[10] https://www.chemistryworld.com/news/uk-loses-life-sciences-investment-as-pharma-companies-halt-expansion-plans/4022160.article
[11] https://www.chasepeople.com/resources/blog/vpag-2026-a-deal-is-done-but-the-hard-work-starts-now
[12] https://www.abpi.org.uk/publications/globally-competitive-uk-wide-data-enabled-clinical-trials-the-time-is-now/
[13] https://becarispublishing.com/digital-content/blog-post/new-abpi-report-sets-out-plan-accelerate-uk-clinical-trials-using-nhs-data
[14] https://www.morganlewis.com/blogs/asprescribed/2025/05/new-measures-to-encourage-clinical-trials-in-the-united-kingdom
[15] https://www.gov.uk/government/news/landmark-uk-us-pharmaceuticals-deal-to-safeguard-medicines-access-and-drive-vital-investmentfor-uk-patients-and-businesses
[16] https://www.abpi.org.uk/media/news/2026/april/abpi-celebrates-a-month-of-major-investment-commitments-into-uk-life-sciences/
[17] https://www.fiercebiotech.com/biotech/things-are-looking-are-british-biotechs-considering-ipos-after-years-long-drought
[18] https://www.ajbell.co.uk/investment/videos/big-pharma-focus-whats-driving-astrazeneca-and-gsk-right-now
[19] https://www.gov.uk/government/news/government-drives-forward-its-150-day-clinical-trial-target
