30 يونيو 2026
شهدت الأسواق المالية في شرق آسيا والولايات المتحدة مستويات قياسية غير مسبوقة، مدفوعةً بموجة تفاؤل عارمة بالأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن المستثمرين الذين يترصدون الأسهم الصينية قد تفوتهم هذه الفرصة؛ إذ سجل مؤشر "إم إس سي آي" الموسع للأسهم الصينية تراجعاً في ثلاثة أشهر من الأشهر الخمسة الأولى من العام، ولا يزال يتكبد خسائر منذ بداية العام وحتى تاريخه.[1]
وفي حين تحظى الصناديق الاستثمارية المتداولة التي تتبع السوق الواسعة بإقبال واسع من قبل المستثمرين الأجانب، إلا أنها تغض الطرف عن الهوة الآخذة في الاتساع بين مستويات الأداء.
فبينما حلّقت أسهم شركة "جيبو" (Zhipu) لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، والمدرجة في بورصة هونغ كونغ، بارتفاع تجاوز الـ 1000% منذ طرحها العام الأولي في يناير، وسجلت شركة "ميني ماكس" صعوداً ناهز الـ 100% منذ بداية العام؛ خبت جذوة العمالقة، وتراجعت أسهم أقطاب التكنولوجيا الأكثر شهرة وأكبر حجماً مثل "علي بابا" و"تينسنت" خلال الفترة ذاتها.
ومع ذلك، فإن البيانات المالية لهذه الشركات المتصدرة للمشهد تروي قصة أكثر رصانة وواقعية؛ إذ سجلت شركة "جيبو" خسائر بلغت 683 مليون دولار مقابل إيرادات لم تتجاوز 77.3 مليون دولار في عام 2025، في حين تجرعت "ميني ماكس" مرارة الخسارة لتصل إلى 1.87 مليار دولار مقابل إيرادات بلغت 79 مليون دولار.[2],[3]
وفي حين أن كلتا الشركتين مدرجتان حالياً في بورصة هونغ كونغ، إلا أنهما لم تنضما بعد إلى مؤشر "إم إس سي آي" للأسهم الصينية، شأنهما شأن العديد من الشركات الأخرى التي تتخذ من البر الرئيسي للصين مقراً لها، والتي يبدو أنها تجني ثمار الصعود المتنامي لاقتصاد الذكاء الاصطناعي في الصين.
أما بالنسبة لمديري المحافظ ومقتنصي الفرص من الأسهم، فقد تتبدى الحالة الاستثمارية الأكثر جاذبية وإلحاحاً في الحلقات الخلفية لسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي؛ إذ قفزت قيمة صادرات الصين من الدوائر المتكاملة بنسبة تجاوزت الـ 100% على أساس سنوي في أبريل 2026، لتسجل بذلك أول مضاعفة تاريخية لها، مدفوعةً بالطلب المتنامي على خوادم الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، ووحدات الذاكرة.[4] ومع ذلك، فإن العديد من شركات الأجهزة والمعدات التكنولوجية قد قصرت إدراجها على البورصات المحلية في البر الرئيسي للصين، ولم تجد طريقها بعد إلى مؤشرات الأسواق الشهيرة كمؤشر "هانغ سينغ" للتكنولوجيا.[5]
وعلى الصعيد الموازي، تخلى المستثمرون الصينيون عن أسهم مدرجة في بورصة هونغ كونغ بقيمة 25 مليار يوان (ما يعادل 3.7 مليار دولار) خلال شهر مايو، ليسجلوا بذلك أكبر حجم بيع أسبوعي في التاريخ؛ الأمر الذي يعكس حالة من عدم الرضا حيال افتقار الأصول المدرجة في هونغ كونغ لفرص الاستثمار المباشر في اقتصاد الذكاء الاصطناعي الصيني.[6]
غير أن الدليل الأسطع على ضرورة الانضباط وحصافة الاختيار في انتقاء الأسهم قد يتجلى بوضوح في قطاع الروبوتات؛ إذ نادراً ما تلوح الربحية في أفق هذه الشركات، بينما لا يزال أغلبها يستنزف رأس المال.[7] وفي ظل وجود أكثر من مئة شركة للروبوتات البشرية تعمل في الصين اليوم، فإن قطار الاندماج والاستحواذ قادم لا محالة، ولن يكتب البقاء إلا لقلة قادرة على الصمود قبل أن تضيق الدائرة ويتنافس الجميع في ميدان محدود.[8] وفي حين يُوصف قطاع الروبوتات في الصين بأنه تجسيدٌ "للذكاء الاصطناعي المادي" ويتبوأ صدارة عالمية هائلة، إلا أن الروبوتات الشبيهة بالبشر قد يقتصر نشاطها وعملها على قطاع الخدمات خلال العقد المقبل.[9]
أما بالنسبة لحاملي الأسهم على المدى الطويل ممن يملكون استثمارات قائمة في الأسهم الصينية ويتطلعون إلى قنوات أفضل لامتصاص مكاسب الذكاء الاصطناعي، فإن التمويل المرتبط بالأسهم يمكن أن يمهد لهم الطريق لتأمين السيولة اللازمة، ومن ثمّ توجيهها نحو اقتناص الفرص الانتقائية الواعدة.
رهانُ نَفَسٍ طويل.. لا عدوٌّ في مضمارٍ قصير
ويعود جزء كبير من هذا الركود إلى التبعات الثقيلة والممتدة لسنوات من التراجع في قطاع العقارات الصيني، مما أدى إلى كبح شهية المستثمرين. وفي الوقت نفسه، أسفرت المنافسة المحمومة (والتي غالباً ما تُعرف بـ "الانكفاء الداخلي" أو الانطواء في السياق الصيني) عن هبوط أسعار العديد من السلع، مما أدى إلى انكماش أرباح الشركات في القطاعات المتضررة.[10]
ويقف هذا الأمر سبباً وراء سعي المستثمرين الصينيين الحثيث نحو ارتياد آفاق جديدة للاستثمار في الأسهم الأجنبية، بيد أن السلطات سارعت إلى تقويض هذه الأنشطة وفرض غرامات مالية على بعض شركات الوساطة في هونغ كونغ.[11]
ومن الجدير بالذكر أيضاً أن الحكومة الصينية تؤدي دوراً فاعلاً في توجيه رؤوس الأموال بعيداً عن ركائز النمو التقليدية للاقتصاد القديم مثل العقارات والإنشاءات، لتدفع بها بدلاً من ذلك نحو مجالات التصنيع المتقدم، والطاقة النظيفة، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي. ومن ثمّ، فإن الاستثمار في أسهم منتقاة بعناية، بدلاً من صناديق السوق الشاملة، من شأنه أن يمنح المستثمرين فرصة أفضل للتواصل المباشر مع حركة التحديث الصناعي المدعومة من الدولة، وتكنولوجيا الأجهزة والمعدات، ومعدات الطاقة.[12]
وفي الوقت ذاته، تصطدم طموحات الشركات الصينية في مضماري الذكاء الاصطناعي الافتراضي والمادي بمواجهة شرسة من غريماتها الأمريكية الأوفر حظاً في التمويل؛ إذ تقبض الشركات الأمريكية على زمام المبادرة بفضل قوتها التسعيرية وتغلغلها العميق في أروقة قطاع الأعمال. وعلى سبيل المثال، تساهم الشركات ومجتمع الأعمال بنحو 80% من إيرادات شركة "أنثروبيك" (Anthropic)، مع وجود أكثر من 300,000 شركة تعتمد نموذج "كلود" (Claude) حول العالم.[13] وفي المقابل، لم تتجاوز الشحنات العالمية من الروبوتات البشرية الكاملة 13,000 وحدة فقط خلال العام الماضي.[14]
ومن المحتمل أن تؤول الأرباح في اقتصاد برمجيات الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف إلى الجهات التي تتولى بناء طبقة البنية التحتية السحابية الأساسية، وليس إلى المنصات المطورِة ذاتها. ومن هذا المنطلق، فإن الأرقام البراقة للإيرادات المتوقعة لمنصات ذائعة الصيت كـ "أنثروبيك" يجب ألا تُقرأ بمعزل عن الفواتير الضخمة التي تدفعها نظير استئجار القوة الحوسبية من عمالقة السحابة، والذين يستأثرون بحصة الأسد من قوام هذه الطفرة.[15]
وقد يعني هذا أن أسعار أسهم عمالقة التكنولوجيا الصينيين، والتي شهدت تراجعاً ملحوظاً هذا العام، قد تجد طريقها نحو الارتداد والتعافي مجدداً، بالنظر إلى هيمنتها الراسخة على سوق الحوسبة السحابية ومراكز البيانات.[16] ومن المحتمل أن تؤدي ظاهرة "الانكفاء التنافسي" أو حرب الأسعار الضارية في قطاع برمجيات الذكاء الاصطناعي إلى تبديد أي أرباح مستقبلية، في حين يُتوقع ألا تفلح الأموال المتدفقة من قنوات الاكتتابات العامة في مدّ طوق النجاة للجيل الحالي من الشركات الناشئة إلا لزمن يسير، تاركةً إياها أمام مدرج ضيق بمنحها شريطاً زمنياً محصوراً للمناورة.[17]
لا شك أن نهضة الذكاء الاصطناعي التي تشهدها الصين قد نجحت في تغيير السردية السائدة حول قطاع التكنولوجيا؛ ففي مرحلة سابقة من هذا العقد، تسببت الحملات التنظيمية الصارمة في هجرة رؤوس أموال أجنبية تقدر بمليارات الدولارات. ويرى بعض المحللين أن الاستثمار في أسواق التكنولوجيا الصينية قد يساعد المستثمرين العالميين على تنويع محافظهم الاستثمارية، لا سيما في ظل الانكشاف المتزايد على مجموعة مركزة من شركات التكنولوجيا الأمريكية ذات الآفاق الربحية غير المؤكدة.[18]
وفي غمرة الصخب الذي تعيشه الأسواق حالياً، يصبح تأمين منافذ السيولة واعتماد مقاربة حصيفة في مضمار الأسهم أمراً بالغ الأهمية؛ وهنا يبرز التمويل المضمون بالأسهم كبوصلة تعين المستثمرين على الإبحار وسط أمواج التحول الصناعي الجاري في شرايين ثاني أكبر اقتصاد على وجه الأرض، واقتناص فرصه الواعدة.
[1] https://www.msci.com/indexes/index/302400
[2] https://www.reuters.com/world/asia-pacific/chinas-zhipu-posts-132-rise-annual-revenue-ai-boom-2026-03-31/
[3] https://www.reuters.com/world/china/chinas-minimax-reports-strong-revenue-growth-charts-broader-ai-ambitions-2026-03-02/
[4] https://www.digitimes.com/news/a20260512PD238/china-ic-exports-demand-price.html
[5] https://growthdragons.substack.com/p/hong-kong-tech-lots-of-old-tech-not
[6] https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-06-03/chinese-investors-exit-hong-kong-stocks-as-ai-woos-money-onshore
[7] https://www.eweek.com/news/unitree-robotics-ipo-humanoid-robots-profitability-china/
[8] https://restofworld.org/2026/unitree-china-humanoid-robot-shanghai-ipo/
[9] https://www.cnbc.com/2026/06/03/humanoid-robots-trillion-dollar-ai-market.html
[10] https://www.assetmanagement.hsbc.ch/en/qualified-investor/news-and-insights/china-insights-march-2026
[11] https://www.reuters.com/world/asia-pacific/china-crack-down-illegal-cross-border-securities-activities-2026-05-22/
[12] https://am.jpmorgan.com/sg/en/asset-management/liq/insights/market-insights/market-updates/on-the-minds-of-investors/china-can-ai-help-drive-an-equity-turnaround/
[13] https://www.moneycontrol.com/news/business/information-technology/anthropic-revenue-growth-run-rate-ipo-filing-claude-13938314.html
[14] https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-01-08/chinese-firms-dominated-global-humanoid-robot-shipments-in-2025
[15] https://futurumgroup.com/insights/anthropic-files-for-ipo-looking-to-beat-openai-to-the-punch/
[16] https://omdia.tech.informa.com/pr/2026/apr/mainland-china-cloud-infrastructure-spending-rises-26percent-in-q4-2025-driven-by-ai-and-agent-growth
[17] https://www.reuters.com/commentary/breakingviews/chinas-ai-firms-tread-treacherous-path-profit-2026-01-08/
[18] https://www.premia-partners.com/insight/china-tech-the-next-generation-source-of-alpha
